السيد محمدمهدي بحر العلوم
5
الفوائد الرجالية
باب النون نعمان بن محمد بن منصور ، قاضي مصر . وقد كان في بدء أمره مالكيا ، ثم انتقل إلى مذهب الإمامية ( 1 )
--> ( 1 ) أبو حنيفة النعمان بن أبي عبد الله محمد بن منصور بن أحمد بن حيون التميمي المغربي ، ويعرف لدى الإسماعيلية باسم ( سيدنا القاضي النعمان ) تمييزا بينه وبين أبي حنيفة النعمان - صاحب المذهب الحنفي المشهور - . وقد اختلف المؤرخون في تاريخ مولده ، ( فقال بعضهم ) : إنه ولد سنة 259 ه ، ( وقال بعضهم ) : إنه ولد في العشر الأخير من القرن الثالث . ويطلق عليه ابن خلكان في ( وفيات الأعيان ) ومؤلفو الشيعة الاثني عشرية ( أبا حنيفة الشيعي ) . كما أن ابن خلكان يرى : أنه كان مالكي المذهب ، ثم اعتنق مذهب الإمامية . وكذلك مؤرخو الشيعة الاثني عشرية وأرباب التراجم منهم ، ويرى البعض : إنه كان مالكي المذهب ، ثم تحول إلى الشيعة الاثني عشرية ، ثم انتقل إلى الإسماعيلية الفاطمية ، ويرى ابن تغري بردي في ( النجوم الزاهرة ج 4 - ص 222 ) انه كان حنفي المذهب قبل أن يعتنق المذهب الفاطمي . وكيف كان ، فقد نقل ابن خلكان عن المؤرخ ابن زولاق في كتابه : أخبار قضاة مصر - في ترجمة أبي الحسن علي بن النعمان المذكور - ما نصه : " . . . وكان أبوه النعمان بن محمد القاضي في غاية الفضل من أهل القرآن والعلم بمعانيه وعالما بوجوه الفقه وعلم اختلاف الفقهاء واللغة والشعر الفحل والمعرفة بأيام الناس مع عقل وإنصاف ، وألف لأهل البيت من الكتب آلاف أوراق بأحسن تأليف ، وأملح سجع ، وعمل في المناقب والمثالب كتابا حسنا ، وله ردود على المخالفين له : له رد على أبي حنيفة ، وعلى مالك ، والشافعي ، وعلى ابن سريج ، وكتاب اختلاف الفقهاء ، وينتصر فيه لأهل البيت - رضي الله عنهم - وله القصيدة الفقهية لقبها بالمنتخبة . . . " . دخل النعمان في خدمة الامام الإسماعيلي ( عبد الله المهدي ) واتصل بالقائم بأمر الله طوال مدة حكمه وولي قضاء مدينة طرابلس ، ولما بنى المنصور بن القائم ابن المهدي مدينته ( المنصورية ) كان النعمان أول من ولي قضاءها ، وقد ولاه المنصور القضاء على سائر مدن أفريقيا وأصبح شديد الصلة بالامام الإسماعيلي ومقربا منه ، وظل قاضي قضاة هذه المدن ، وتحت إمرته قضاتها إلى أن ولي ( المعز ) الإمامة فاشتدت صلة النعمان به ، وكان يجالسه ويسايره وقل أن يفارقه ، وضع النعمان كتابه ( المجالس والمسايرات ) جمع فيه كل ما رآه وما سمعه من إمامه المعز ، وفى مؤلفات النعمان كثير من الدلائل تبين أنه كان يعرض كتبه على الامام المعز قبل إذاعتها ونشرها بين الناس . ويعتبر القاضي النعمان المشرع الإسماعيلي ، لما له من أثر كبير في الحياة العقلية للدولة الإسماعيلية في مصر ، وتعتبر مؤلفاته من الدعائم القوية التي ركز عليها المذهب الإسماعيلي ، ولا تزال كتبه حتى يومنا - هذا - من أقوم الكتب لدى الإسماعيلية لا سيما كتابه ( مختصر الآثار فيما روي عن الأئمة الأطهار ) وهو كتاب متداول - الآن - بين طائفة ( البهرة ) . وأصبحت الكتب التي ألفها عمدة كل باحث في المذهب الإسماعيلي والأصل الذي يستقي منه علماء المذهب ، وقد أفاد الدعوة الإسماعيلية بكثرة مؤلفاته في الفقه والمناظرة ، والتأويل ، والعقائد ، والسير ، والتاريخ ، والوعظ . ومن الثابت أن النعمان ألف بضعة وخمسين كتابا ، بقي منها حتى اليوم نحو من عشرين كتابا ، وضاع الباقي وقيل : إن الامام المعز قال عنه : " من يؤدي جزء من مائة مما أداه النعمان أضمن له الجنة بحوار ربه " . ( أنظر : كتاب عيون الأخبار للداعي إدريس عماد الدين : ج 6 ص 41 طبع مصر ) . وقد ذكر الأستاذ إسماعيل غالب الإسماعيلي ترجمة مفصلة للنعمان في كتابه ( أعلام الإسماعيلية ) ص 589 طبع بيروت سنة 1964 م وأورد قائمة بمؤلفاته المتنوعة نقلا عن كتاب ( المرشد إلى أدب الإسماعيلية ) تأليف البرفسور إيفانوف ( ص 37 - ص 40 ) . وبعض هذه الكتب في خزائن أصحاب الدعوة الذين يحرصون عليها ويسترونها أشد الستر . ويقول الدكتور محمد كامل حسين في مقدمة ( كتاب الهمة في آداب أتباع الأئمة ) الذي هو من مؤلفات القاضي النعمان : ( ص 9 - طبع دار الفكر العربي بمصر ) ما هذا نصه : " . . . وكل من تحدث عن النعمان من المؤرخين يذكرون فضله وعلمه وتدلنا مؤلفاته العديدة على ما ذكره المؤرخون عنه ، فلا غرابة أن رأينا كتبه عمدة كل باحث في المذهب الفاطمي وأنها الأصل الذي استقى منه علماء المذهب بعده . فلا أكاد أعرف عالما من علماء الدعوة اختلف مع النعمان في المسائل الفقهية . وربما كان ذلك لان النعمان قال في كتابه ( المجالس والمسايرات ) أكثر من مرة : إن الامام المعز لدين الله طلب إليه أن يلقي على الناس شيئا من علم أهل البيت . فألف النعمان كتبه ، وكان يعرضها على المعز فصلا فصلا ، وبابا بابا ، حتى أتمها . فهو يقول - مثلا - : ( أمدني المعز لدين الله بجمع شئ لخصه لي وجمعه ، وفتح لي معانيه ، وبسط لي جملته ، فابتدأت منه شيئا ثم رفعته إليه ، واعتذرت من الابطاء فيه لما أردته من إحكامه ، ورجوته من وقوع ما جمعته منه بموافقته فطالعته بمقداره فوقع إلي : يا نعمان لا تبال كيف كان القدر مع إشباع في إيجاز ، فكلما أوجزت في القول واستقصيت المعنى فهو أوفق وأحسن ، والذي خشيت من أن يستبطأ في تأليفه ، فوالله لولا توفيق الله - عز وجل - إياك وعونه لك لما تعتقده من النية ومحض الولاية لما كنت تستطيع أن تأتي على باب منه في أيام كثيرة ، ولكن النية يصحبها التوفيق ) . إلى أمثال ذلك من النصوص الكثيرة التي تدل على أن المعز لدين الله كان يدفعه إلى تأليف الكتب بعد أن يوضح له فكرتها ، وأن النعمان كان يعرض كتبه على المعز قبل أن ينشرها على الناس ، كما طلب إليه المعز أن يقرأ مجالس الحكمة التأويلية ولعل هذا هو السبب الذي من أجله لقبه المؤرخ ابن زولاق بالداعي - كما روى عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان - وليس لدينا من النصوص ما يثبت أن النعمان كان من الدعاة ، فالداعي إدريس في كتابه ( عيون الأخبار ج 6 ص 41 ) قال : إن النعمان كان في مكانة رفيعة جدا قريبة من الأئمة ، وأنه كان دعامة من دعائم الدعوة ، ولكنه لم يصرح بان النعمان كان داعيا أو حجة ، مع ما نعرفه من الداعي إدريس من إغداق المدح على كل من اتصل بالدعوة ، ومهما يكن من شئ فالنعمان كان داهية في سياسته التي قربته إلى الأئمة ، فقد استطاع بعلمه أن يجذب إليه قلوبهم فقربوه إليهم ، وعرف أسرارهم ونواياهم ، فوضع هذه الكتب العديدة وادعى ان الأئمة هم الذين لقنوه إياها ، بل لعلي لا أغالي إذا قلت : إن النعمان هو أول من دون فقه المذهب الفاطمي ، فلا أكاد أعرف فقيها من فقهاء المذهب قبله كتب في هذا الفن " . والخلاصة : لقد أدى القاضي النعمان للدعوة الإسماعيلية خدمات علمية جليلة كان لها الفضل الأكبر في تركيز دعائم الدعوة ، ولا غرو فقد كان اللسان الناطق لأئمتهم فاستحق أن يتربع على عرش الدعوة العلمية وأن يورث أبناءه هذه الزعامة وكانت وفاته بمصر في مستهل رجب سنة 363 ه ، وصلى عليه المعز لدين الله . وذكر العلامة المحدث النوري في خاتمة مستدرك الوسائل ( ج 3 ص 313 ) ترجمة للقاضي نعمان أسهب فيها وحقق في شرح حال ( دعائم الاسلام ) والتعريف به تحقيقا رشيقا ، وذكر وجوها كثيرة فيما صرح به أعلام الامامية من أن النعمان أظهر الحق تحت ستار التقية ، فراجعه . وذكر الدكتور كامل حسين في مقدمته لكتاب ( الهمة في آداب اتباع الأئمة ) أسماء جملة من مؤلفات القاضي النعمان ، كما ترجم لكثير من أولاده وأحفاده ، فراجعه وقد ترجم للقاضي النعمان في كثير من المعاجم الرجالية ، وذكرت أخباره في أكثر كتب التاريخ ، راجع : سير النبلاء للذهبي ، والوافي بالوفيات للصفدي وفوات الوفيات لابن شاكر الكتبي ، ووفيات الأعيان لابن خلكان ، ولسان الميزان لابن حجر العسقلاني ، ومرآة الجنان لليافعي ، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي وكشف الظنون لحاجي خليفة ، والنجوم الزاهرة لابن تغرى بردي ، وإيضاح المكنون للبغدادي ، والفوائد الرضوية للشيخ عباس القمي ، والذريعة لشيخنا الشيخ آغا بزرك الطهراني ج 8 - 197 ، وأمل الآمل للشيخ الحر العاملي ، ومجالس المؤمنين للقاضي نور الله التستري ، وروضات الجنات للخوانساري وغيرها من المعاجم الرجالية . والإسماعيلية يوافقون الامامية في الإمام الصادق - عليه السلام - ومن قبله من الأئمة - عليهم السلام - ويخالفونهم في الكاظم - عليه السلام - ومن بعده من الأئمة - عليهم السلام - ويقولون بامامة إسماعيل بن جعفر الصادق - عليه السلام - وإليه ينسبون ، ويرون أن في كل دور سبعة أئمة ، إما ظاهر وإما مستور ، لقول أمير المؤمنين - عليه السلام - : " لن تخلو الأرض عن قائم لله بحججه " ، ويلقبون أيضا بالباطنية لقولهم : إن لكل ظاهر باطنا " الخ . وكان الإمام الصادق - عليه السلام - يحب ولده إسماعيل حبا شديدا بحيث شبه على خلق كثير من ( الإسماعيلية ) حتى أن قالوا بإمامته وأنه حي عند الله مرزوق وكان أكبر إخوته ، ومات في حياة أبيه فحزن عليه حزنا كثيرا ، وكتب بخطه على كفنه ( إسماعيل يشهد أن لا إله إلا الله ) الخ . أنظر : تفصيل أحوال الإسماعيلية وعقائدهم في كتاب ( أعلام الإسماعيلية ) لمصطفى غالب ، طبع بيروت سنة 1364 ه .